الشرع اعطانا. أربعة .. ق.ق بقلم أ/ أحمد علي صدقي

 الشرع اعطانا اربعة

جلست رحمة على الصخور، تتأمل في حركة الأمواج وهي تتلاطم، كما تلاطمت حياتها بصخور يأسها و ترغي وتزبد، كما كانت ترى أباها يرغد ويزبد في حياته كلما ضيق الفقر عليه دائرته. منذ ولدت رحمة في تلك العائلة الفقيرة وهي تكافح صامدة لقدرها تنتظر ما سوف تؤول اليه حياتها وهي تتقدم في العمر.. 

جلست في هذا اليوم على هذه الصخرة ومن ثقل الهموم كانت تحس وكأن الصخرة هي التي تقبع فوقها.. اتيح لها هذا اليوم أن تذهب الى المدينة مع زوجها الذي يمارس بها البقالة. تركها بالشاطئ وذهب لدكانه.. أخبرها بأنه سيعود اليها بعد قليل لتعينه على تنظيف الدكان وترثيب بضاعته.. سرحت بناظرها في الأفق.. شردت، وبحبل الذكريات نزلت الى اعماقها توقظ ذكريات قد نقشها الزمان أخاديد فوق الخدود و ترسبات بالذهن تكاد لا تنسى.. 

رحمة، فتاة عادية الملامح. مات أبوها وهي صغيرة. ادخلتها أمها المدرسة رغم صعوبة ما تتطلبه هذه الأخيرة من نفقات. كانت لها صديقة اسمها حياة أحبتها للطفها وجمالها. حياة من عائلة متوسطة الحال. كانت أمها لجمالها تناديها بأميرة البيت... ماتت الأم وكبرت الصغيرة في كنف حنان جدتها. التقت رحمة بحياة في المدرسة.. جمع الزمان بينهما في وئام ووطدت الطريق التي تجمع بينها الى المدرسة صداقتهما.. غادرتا المدرسة مبكرا. تركتاها لتتفرغا للعمل قبل نضجهما... 

غادرت رحمة المدرسة لعدم قدرة أمها تلبية ما تتطلبه المدرسة، أما حياة فغادرتها حين تزوج أبوها بعشيقته النادلة التي كانت بالمقهى التي كان يتردد عليه. تضايقت العشيقة من البنت فاقترحت على عشيقها أن يدمج الإبنة في ميدان العمل تحت دريعة أن تتعلم كيف تعتمد على نفسها. كان لهذه المرأة أخ أميا له حانة بالمدينة وكان يبحث على من يسير أموره. اختار الحظ السيئ حياة لتكون الضحية. فتاة جميلة وتعرف الكتابة والقراءة فقدمها الزمان القاسي هدية على طبق من فضة لخبيث أخ خبيثة.. 

أما رحمة القابعة اليوم فوق هذه الصخور فقد امتهنت مهنة راعية غنم عند أحد الفلاحين. تدوس أشواك الغابة والسهول وراء قطيع أغنامها؛ ورغم قساوة الظروف، أحبت عملها إذ لم تجد غيره. كانت ترى فيه العمل الشريف الوحيد الممكن الولوج اليه لمن مثلها، رغما عنها لكي تخرج أمها من ورطتها.. كانت تردد لمن يخيبه لها أنه عمل الانبياء. وما كذبت ولكن نفسيا كان الامر أكبر من ذلك.. كم كانت تتأسف على مصير صديقتها حياة التي استغلت بجمالها لجلب الزبناء الى الحانة.  تقضي يومها بينهم تتأقلم مع معاملاتهم من مغازلات وتحرش وشتم وغيرهما. مع الأيام أصبحت تعتبر الشتم  والغزل سواسية. لكن قادتها معاشرة السكارى لتصبح مثلهم، تتناول الخمور والمخدرات، نسيت حياءها و استبدلته بشبق يلائم جو المكان..

كانت عندما ترجع مساء الى بيتهم، تفرغ كل ما قطفته من دراهم من زبنائها للزوجة المستبدة وتنام طول النهار لترجع في المساء الى وكرها العكر..

 مع مرور الأيام، طفح الكيل وبلغ سيله الزبى. خاصمت حياة أباها وزوجته وغادرت المنزل متخذة الحانة مسكنا قارا لها، تقطف أشواك خزيه وعاره..

مرت أيام و لم تعد لا رحمة ولا غيرها يعرفون عنها شيئا منذ أن مات أبوها وباعت زوجته داره التي اشتراها زوج رحمة البقال والتي هي دارهم اليوم..

قبل المساء غادرت رحمة الشاطئ. رجعت برفقة زوجها الى الدكان لكنسه و تنظيفه. كانت منهمكة في عملها وكان زوجها منهمكا  في تهيئ قطعة خبز بها جبن. قالت له: 

إن كنت تهيئ هذا لي، فليس لي الآن خاطر لأكله. قال:

- هذا عشاء امرأة اعتادت ان تأتي عندي كل مساء  لتناوله. ثم انهمكا في عملهما فإذا ب رحمة تسمع صوتا ينادبها:

 - رحمة! أأنت رحمة؟ التفتت فوجدت بباب الدكان امرأة متشردة تتلهف لمعانقتها. قالت لها: 

- من أنت. أجابت:

 - ألم تعرفيني؟ قالت: 

 - لا. قالت:

 - أنا حياة. أخذت رحمة رأسها بين كفيها وقالت:

 - حياة! أنت حياة؟ صديقة المدرسة؟ لا حول ولا قوة الا بالله! ثم خرجت عندها تعانقها والدموع تخنقها. نظر الزوج الى المشهد وهو مندهش لا يعرف ما يجري. ادخلت رحمة حياة الى داخل الدكان وعرفت زوجها بها وطلبت منه أن يذهب إلى البيت ليأتي لها ببعض الثياب.

ذهبت رحمة بحياة للحمام وابدلتها ثيابها. اخبرتها بموت أبيها وبان زوجته باعت بيتهم الذي اشتراه زوجها وأصبح بيتا لهما.

فرحت حياة برجوعها لهذا البيت. اشتمت فيه رائحة أمها و تذكرت طفولتها.. استفاقت من تيهان و غفلة أخذا بلب عقلها لعدة سنوات.. في الصباح استيقظت وقد استرجعت كل قواها العقلية فطلبت من صديقتها المكوت عندها لأيام، أرادتها نقاهة لما وقعت فيه من تقلبات و معاملات مع الخمر و سوء معاملة الزبناء..

في اليوم الثاني من إقامة حياة ببيت رحمة، قررت المغادرة وهي تلوك كلاما كالرمل في فمها قائلة:

سامحيني صديقتي العزيزة رحمة. لن أنسى هذا منك وما أطقت فراقك، ولكن... 

بكت رحمة ثم عانقت حياة. نظرت الى زوجها وقد اطال النظر اليهما وقالت:

أعطاك الشرع أربعة، فتزوج هذه إن كنت تحبني...

احمد علي صدقي/ المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليل قصة" بيت سيء السمعة" بقلم أ/ علي البدر

جواب مسؤول .. بقلم أ/ زين المصطفى بلمختار

أنا العربي ..لاتغضب .. بقلم أ/ أمين الحنشلي