تحليل قصة" بيت سيء السمعة" بقلم أ/ علي البدر

 المجتمعُ وتغيُّر المفاهيم بين رواية نجيب محفوظ "بيتٌ سيء السّمعة" وآراء الدكتورة صوفيا السمان

يعتبر الاديب نجيب محفوظ من الكتاب الأوائل الذين  استنبطوا تفاصيل قصصهم، ورواياته من عمق المجتمع من خلال شخصيات غالبا ما تبدو متناقضة مع نفسها كأن يكون الاب متزمتا في بيته ولعوبا وزير نساء من خلال ممارساته السلوكية السرية. التي قد تنكشف من أقرب ناسه. وفي قصة "بيت سيء السمعه، نجد تتبعا دقيقا لسلوك عائلة بدت تصرفاتها شاذة في الوسط الإجتماعي التي تعيش وسطه. تذهب البنات إلى المسرح والسينما سافرات بدون عباءة أو برقع وتسمع الموسيقى وتحضر الحفلات وغيرها..

ولو كانت العائلة في وسط اجتماعي منفتح لما التصقت هذه السمعة في ثوبها وبانت كعار يلاحقها. ونتساءل..هل نلوم الدائرة الإجتماعية أو العائلة نفسها؟ وبرأيي المتواضع يقع اللوم على العائلة حيث يتوجب مراعاة الطبقة الإجتماعية التي حولها. لابأس من التصرف بصورة متوازنة ولكن لحد الان يستنكر المجتمع أصوات الغناء العالية التي تسمع في الوسط الإجتماعي.

وبالحقيقة غالبا ما تكون الاتهامات جاهزة وسريعة الإنتشار خاصة في المجتمعات المغلقة التي يكثر فيها النفاق والغيبة التي اصبحت عادة مألوفة وكأنها وسيلة لقضاء الوقت والاستمتاع بالحديث. ولم يقتصر هذا التجريح على التطرف في ممارسة السلوك بمكان دون آخر، وإنما حتى في أرقي الأوساط الثقافية بحجة الخروج عن القيم الدينية أو القوانين المتعارف عليها. ونتذكر ما حدث لغاليلو غاليلي الذي قال بأن الشمس مركز الكون حيث حكم عليه بالاعدام الذي خفف الى السجن المؤبد لكن الفاتيكان أعلن أسفه لاحقا حيث عمل له تمثالا.  ودارون عندما قضى نصف عمره في دراسة الأنواع حيث أحرقت الكنيسة مؤلفاته لكنها اضطرت على المشي في جنازته. أما أديبنا الرائع واستاذنا سلامة موسى، ذلك الأديب المتنوع الثقافة الذي أصبح عرضة للاستهجان عندما قال بضرورة وجود المرحاض في كل بيت والغريب أن الكثير من الكتابات اتهمته بالتطرف والتصرف اللاعقلاني فألصقوا له لقبا غريبا هو "سلامة موسى المراحيضي".

وأحيانا تتوهج رغبة في أعماق الإنسان لكنه لايستطيع تطبيقها. أجل. يذهب بسيارته إلى عمله وسط الزحام ويأنف من ركوب الدراجة الهوائية "البايسكل" الذي يوصله بأقل من نصف ساعة وربما أقل. حيث ينبري اللوم عليه من كل صوب خاصة ان حدث له حادث. الكل يلومه أو يغتابه ويصفه بالبخيل وغيرها. ومعظم المنتقدين يرغبون تقليده لكن وازعا داخليا يمنعهم. وكلما زاد السلوك غرابة زادت الأنتقادات. وفي كل الأمور لابد من الحذر والتصرف بعقلانية وروية فيما يتعلق بالجانب القيمي الأخلاقي moral aspectsضمن السلوك المتوازن الذي لايتعارض مع المجتمع. وكلما تثقف المجتمع تبدأ العادات الجديدة التي يتآلف معها الأفراد. وليست من الضروري أن اعيش بنفس الاسلوب عندما كنت في دولة أوربية منفتحة ولابد من اختيار الوسط الاجتماعي المناسب.

إن الرغبات التي لانستطيع تحقيقها تكبت في اللاشعور حيث يكبحها الضمير اللاأرادي unconscious conscience كلما تحاول الخروج إلى الشعور لانها تبقى ضاغطة ولابد من تصريفها ويتربى الضمير الانساني حسب البيئة التي ترسخ قيمها فيه. وعليه يكون الرفظ او الأيجاب ظاهرة واردة حسب القيم المخزونة . وغالبا ما يميل الفرد إلى المعاكسة وإظهار الرأي المخالف كمحاولة لتأكيد الذات. وقد برع الكاتب نجيب محفوظ في هذا الإتجاه الذي يجعلنا أمام واقع لابد من حل تناقضاته بالتصرف المتوازن وهذا ينطبق على كل المجتمعات البشرية التي تتغير عاداتها تدريجيا وهذا شيء مرغوب فيه لأن التطور السريع قد يخلق عدم توازن ويخلخل أواصر المجتمع. وينبري المتعلمون بالمساهمة بقيادة وتوجيه البوصلة الإجتماعية ولكن بحذر، وقد أجد محاولة الاديب نجيب محفوظ في تعرية الزيف الذي قد نجده في مجتمعنا مقبولا رغم أنه يساهم إلى حد ما في اسقاط الهالة الأخلاقية لرب الاسرة مثلا. ولو درسنا كتابات الدكتورة صوفيا السمان نراها تضع النقاط على الحروف في محاولتها لمناقشة الظواهر الاجتماعية. والشيء اللافت أنها بعيدة تماما عن أية اسقاطات تضعف الأسرة والأستهانة بالاب أو الام وذلك لما تتميز به من قدرة على السيطرة على عواطفها عند الكتابة وعدم التطرف الذي يعطي ابعادا قد تكون مضرة على المدى البعيد. لابد من التروي وعدم المبالغة ولابد من الحرص على عدم اسقاط هيبة الاسرة ومن يقودها فالحالات الشاذة هي نادرة بطبيعتها وعلينا الحذر من المبالغة فيها لأنها تغرس قدوة سيئة في قادم الأيام.

تحياتي وتسلم جهود المنتدى الرائع في تثبيت ودعم أواصر المجتمع الأصيلة ضمن القيم الدينية والأخلاقية.

علي البدر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جواب مسؤول .. بقلم أ/ زين المصطفى بلمختار

أنا العربي ..لاتغضب .. بقلم أ/ أمين الحنشلي