المسلم وعبادة التسبيح .. بقلم/ حشاني زغيدي
الحلقةالخامسة : المسلم و عبادة التسبيح
كل شيء يسبح بحمده :
يسبح الكون لله تعالى تسبيح إقرار و اعتراف بالإله الواحد المستحق للعبادة ، فيسبح الطير و الشجر، و يسبح الجماد و يسبح الورق في الشجر لله ، ويسبح الحوت في البحر ، وتسبح ذرات الرمل الذهبية لله في الكثبان ، و تسبح نسمات الصبح في شروقها لله ، ما في الوجود شيء و إلا و أنفاس التسبيح ترسل للسماء حبا لله و تعظيما لله تعالى .
يقول جل شأنه " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }الإسراء44 "
التسبيح يدلل الصعاب :
إن السير في دروب الحياة، و السير في دروب خدمة النفع العام ، تثقل النفس و تضعفها ، تجعل النفس لا تقوى على تحمل مشاقها ، فكيان النفس جبل على الضعف ، فالضعف طبيعة بشرية ، و صفة خلقت مع الإنسان يقول الله تعالى ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾ سورة الإنسان
ليحمل هذا الضعف الإنسان إلى الافتقار والحاجة إلى الله تعالى ، يحمله لطلب مقويات يتقوى بها لتحمل تكاليف الحياة المتنوعة ، إن حاجة أصحاب النفوس الخيرة من حملة رسالة الخير ، أكثر الناس طلبا لهذا العون ،فالهٍح سبحانه أولى من يلوذ إليه العبد المحتاج ، و يلوذ إليه صاحب الكربات، و يلوذ إليه كل من ضاقت به السبل،ويلوذ إليه المظلوم الذي ضاقت به الدنيا ، ،و يلوذ إليه كل من سدت الأبواب الموصدة في وجه ،فليس غير الله يفك الضائقة ،و ليس غير الله يزيل هموم النفس المتعبة ، النفس المرهقة المسجونة بأزمات الدهر، و ليس غير الله يشرح النفس ، يبعث فيها السكينة والهدوء، فتسعد الروح ، و تبعث فيها القوة الموجبة التي تكسر أقوى الأعاصير .
في هذا السياق .يعرض القرآن الكريم في سورة الصافات نموذجا حيا ، في قصة نبي الله يونس ، النبي المسبح في بطن الحوت ، يسبح في الظلمات وقد ضاقت أمل به النجاة ، وأصبح يرى الموت أقرب ، لكن إيمانه بالله ، كان أقوى دافع لبعث الأمل المفقود في النفس ، فكان الفرج نصيبه .
يقول الله تعالى في ذلك : " وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ " (148)
التسبيح دليل على صدق التعبد :
إن أكثر الناس لزوما لعبادة التسبيح ، أخلص الناس و أقرب الناس لله تعالى ، فكان الأنبياء عليهم السلام أكثر الناس لزوما لعبادة التسبيح ، و يسير على ركبهم الأصفياء من خلقه .
و قد كان حبيبنا محمدا أشد الخلق تعلقا بفن التسبيح و الدعاء ،حتى أقر المولى سبحانه و تعالى هذه الصفة تخصيصا ، فكان متضرعا مبتهلا، يرجو رضا ربه مظهرا بين يديه ضعفه و حاجته في سكون الليل، يتقوى على تلك المصاعب و يواجه ما يكره بالعبادة والتبتل ،حتى نال الإقرار و الشرف من ربه عز و جل يكفي أن تتأمل هذه الآيات الكريمات لنعيش في رحابها " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " (99) }سوره الحجر و قال الله تعالى : " إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ " سورة المزمل: من الآية 20 وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه .. قالت عائشة : يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا " رواه مسلم .
ما أجمل هذا الدعاء،و ما أرقه و ما أقوى لغته،و ما أجمل معانيه ، دعاء تجلى فيه قمة الأدب مع الله ، و ما أجمل تلك التسابيح المرسلة في رحلة دعوية ثقيلة مكلفة . هناك و في الطائف بالتحديد ، و القصة معروفة ، يلجأ الحبيب بلسانه المسبح ، طالبا العون و النصرة في غير سخط أو لعن أو يأس ، كلمات الحبيب وحدها معبرة تحمل جمال الصورة والحال والمقام ، في صورة رائعة أخاذة ، ترسم لوحة في فن التسبيح و الدعاء .
" اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي لا اله إلا أنت ، إلى من تكلني ؟ إلى قريب يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك سخط علي فلا أبالي غير إن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الكريم ، الذي أضاءت له السموات والأرض وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل علي غضبك او ينزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حوة ولا قوة لنا إلا بك "
إن حالنا اليوم مع هذه الخيبة التي تعيشها الأمة و هذا الضعف الذي استشرى في مفاصل حملة مشاريع الخير ، تحتاج منا إلى أوبة و رجعة إلى الله لتعود لنبعه الصافي ، لتعود لحياة بريقها،فيعود الأمل المسلوب من القلوب التائهة المغيبة في سجون المادة الفاتنة ، وليزول من القلوب الخوف المزروع في أعماق النفس ، فنحطم تلك الآلهة المزعومة فتكون عبيدا لله تعالى، فنكسر الأغلال و السلاسل التي شلت حركتنا لنكمل المسير في ثقة في الله و نصره ،ليشع الخير في النفوس .
ولعل النفس تطيب ببعض رقائق الأشعار ، التي عشنا معها أيام الشباب ، حيث كنا ننشد أجمل الأبيات تتغنى بأفراح التسبيح كنا نردد أبياتا تحملنا إلى عالم علوي تصوغه أجمل الكلمات كلمات الشاعر المنشد السوري منذر السرميني الملقب بأبي الجود، هو شاعر وملحن سوري
تسبح روحي بحمدك ويلهج ثغري بذكرك
الهي فهبني ضياء يضيء فؤادي بحبك
الهي فأغمر فؤادي بلطفك أو بحنانك
فاني وهبتك روحي وان تك بعض عطائك
ولم أخش غير عذابك ولم أهوى غير جمالك
أنا من أنا يا الهي سوى ذرة في رحابك
أزف ابتهالات قلبي خشوعا ذليلا ببابك
أناديك أرجوك ابكي وأهوى رفيف ضيائك
الأستاذ حشاني زغيدي

تعليقات
إرسال تعليق