الإسلام ومنهج الرعاية الصحية .. مقال بقلم أ/ حشاني زغيدي

 الإسلام و منهج الرعاية الصحية


       في الأزمات الفتاكة الخانقة، حين تنشر الأمراض والأوبئة، ينشر الهلع والخوف، فتستنفر الحكومات ومؤسساتها للحد من خطر انتشارها، ولهذا و جدنا واجب التحصين و الوقاية هو أقرب طريق لعلاج هذه الأخطار   و قد قالوا قديما  (    درهم وقاية خير من قنطار علاج ).

فكلما كانت  الرعاية الطبية التقليدية  مفعلة في سلوك الفرد ، كان  المجتمع في مأمن عن الأخطار الصحية ، فاعتماد النظافة مثلا  كسلوك تربوي  في الأسرة ،   و انتهاج  الرقابة الصحية الدورية  ،  و المسارعة القبلية الاستباقية في التعامل مع   المشكلات ، كنا أكثر تحصينا   ،  و  في هذا  المقال حاولت  تسليط الضوء  على  منهج التربية الوقائية في الإسلام   من خلال النصوص الشرعية  في القرآن و السنة .

 

الاهتمام بالنظافة   :

تقوم حياة   المسلم أساسا على مبدأ الطهارة كمفهوم تعبدي، فجل العبادات تقوم أساسا على المبدأ، ففي الصلاة شرع الله لنا الوضوء عند الصلاة  و الغسل عند الجنابة.،و حبب لنا الوضوء على المكاره  و حبب لنا غسل الجمعة   ، و حرص لنا طهارة المكان و الثياب  ، و حثنا على تنظيف الغرف و الأكنفة ، و شرع لنا غسل اليدين حين الأكل، و تغطية الأوعية ، و تنظيف الأطعمة  و الأواني حماية للإنسان  ،   و ذهب أبعد من ذلك  فحث المسلم على إماطة الأذى من الطرقات يكفي هذا الحديث النبوي حجة و دليلا 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (رواه البخاري: [9]، ومسلم: [35]).

 

ممارسة الرياضة  : 

ربما يجهل غير المسلمين  و حتى المسلمين أنفسهم  أن الإسلام عنى بالتربية الرياضية 

 و اهتم بها  ، و أكد عليها كأسلوب ناجع لتحصيل مفهوم القوة المطلوبة  لمواجهة الحياة ، و قد أشار إليه  مشهور كلام النبي صلى الله عليه وسلم: [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير](رواه مسلم). وقال أيضا: [وإن لجسدك عليك حقا](رواه مسلم وغيره).

لأن الواجبات الحياة وتكاليفها تحتاج منا القوة وصحة الجسم، فليس هناك عمل لا توظف فيه القوة، لهذا وجب رعاية البدن وتقويته بممارسة الرياضة بشمولها كالمشي أو العدو أو السباحة أو فنون القتال وكلها مستحبة مرغوب فيها، وأن الوهن الذي أصاب الأمة بسبب إغفالها رعاية الجسم وحمايته.

و قد دلت الأحاديث الصحيحة  التي نورد منها   :

قوله عليه الصلاة والسلام : "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس مني" وقوله صلى الله عليه وسلم " ارموا بنو إسماعيل فإن أباكم كان رامياً"

وكذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل لهو المرء باطل إلا رميه بقوسه و ركوبه فرسه ومداعبته أهله جاء في الأثر  و قد اهتم  كذلك الفاروق  الخليفة الراشد   أبي حفص   عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بالرياضة   : ( علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل )


 الأكل الحلال:

إن الإسلام كمنهج يتناول مظاهر الحياة جميعها؛ خص الإنسان برعاية متفردة مميزة  ، رعاية تصون البناء الصحي كمنظومة وقائية، قد أشارت عليه نصوص الشريعة بوضوح 

غي قوله تعالى  : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... ) المائدة/ 4

فالله تعالى أحل لنا كل طيب، أحل لنا كل الأطعمة النافعة الصحية إلا ما استثنى من الأطعمة الخبيثة المحرمة و هي مذكورة معددة، و لهذا وجدنا أن المجتمعات الإسلامية أكثر تحصينا من غيرها من المجتمعات  ، التي استباحت أكل المحرمات كالديدان و الخفافيش   و القطط و الكلاب و الحياة و الدم و أكل الخنزير و أكل كل شيء تعافه النفس و الفطرة،  و لم يتقيدوا بالضوابط الصحية التي حضت عليها الشريعة بوضوح  قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].

 

اجتناب الخبائث   :

و لم يكتفي الإسلام كمنهج وقاية لحماية النفس الإنسانية كمقصد شرعي، يقوم على الوقاية حصن الأسرة بالزواج الشرعي  و حرم كل العلاقات التي تخرج عن هذا الإطار المحصن الوقائي، فحرم الشذوذ و الزنا  و كل العلاقات المحرمة التي أنتجت لنا أوضاعا صحية معقدة  عجز معها  الطب  ،  فمرض الإيذز ، وهو مرض فقد المناعة المكتسبة الذي يؤدي عادة إلى الموت و  التهاب الكبد الفيروسي و  مرض الزهري و  مرض السيلان و كثير من الأمراض التي يعرفها أهل  التخصص  و كل تلك البلايا سببها الخروج و التعدي على قانون الله 

 

قال صلى الله عليه وسلم : [ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود102 ) ، فهل  أفضع و أظلم من استباحة المحرمات؟! 

 

التطبيب و العلاج. :

 

كما أسلفنا إن الإسلام يعطي أهمية كبرى للبعد الوقائي،  فقد أعطى  لمسألة العلاج والتداولي أهمية كبرى. و خص صحة الإنسان   بصورة عامة من منطلق أن الحفاظ على الفرد  و الأسرة و المجتمع  من الضروريات الأساسية التي جاءت الشريعة لأجل الحفاظ عليها كما أسلفنا ذكرها سابقا.،و أن  وحمايتها واجب شرعي ،   فالأحاديث النبوية الشريفة أمرت بالتداوي  مثل حديث أسامة بن شريك قال: (أتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى ؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلاّ وضع له دواء غير داء واحد الهرم ) 

فالمسلم أكثر الناس وعيا بحفظ صحته و حمايتها، فوجب علينا توخي النصائح الصحية في حياتنا، و العمل على الالتزام بها كسلوك تربوي عملي يومي، نلزم به أنفسنا و أهلنا و أقاربنا و المحيط الذي نتعامل معه، نحمي أنفسنا و نحمي غيرنا.، نلتزم بالسلوك الوقائي مع محيطنا المجتمعي  ، ننصح و نوعي  تحصينا للسلامة الصحية.


الأستاذ حشاني زغيدي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليل قصة" بيت سيء السمعة" بقلم أ/ علي البدر

جواب مسؤول .. بقلم أ/ زين المصطفى بلمختار

أنا العربي ..لاتغضب .. بقلم أ/ أمين الحنشلي