الإسلام منهج حركة وحياة .. مقال بقلم أ/ حشاني زغيدي

 الْإِسْلَامُ مَنْهَجُ حَرَكَةٍ و عَطَاء

        أَجْعَلْ لَك حَائِلًا بَيْنَك و بَيْنَ مَا يُضَعِّفُ عزيمتَك ، و يَشُدّ لجامَك عَنْ الْحَرَكَةِ و الِانْطِلَاقِ ، لَا تَتَسمّعْ لنزعاتِ الْفَشِل ، أَغْلَقْ أَبْوَابَهَا جَيِّدًا ، و شَدَّ حزامَك و انْطَلَقْ دُونَ تَوَقُّفٍ ، فساعاتُ التَّوَقُّفِ لَهَا مَوْعِدُهَا الْمُحَدِّدِ ، لَم يُحَدَّدْ مَوْعِدَ تَوَقُّفِه أَحَدٌ ، فَاغْتَنِم سَاعَاتِ الْحَرَكَةِ ، فَالسَّاعَة لَهَا مَوْعِد مُحَدَّد ، فَإِن شادَّك عَارِضٌ ، فَتَحَرَّك و لَو حَبْوًا ، فَلَا عَيْبَ أَنْ تُقلِدَ مَشْيَّةَ الرَّضِيع ، و إنْ كَانَتْ بِدَايَةَ الْخُطَى . 

نَعَم نَمْشِي الهوينةَ و نَحْن نرافقُ الْحَقَّ ،   فَالْأَجْرُ فِي الْحَرَكَةِ ، و الْأَجْرُ فِي السِّيَرِ فِي دُرُوب الْخَيْرِ ، نَسِيرُ و نتحركُ، نغرسُ ، فنزرعُ ، و نَشِيّدُ الْمَبَانِي ، و نَحْفِرُ الْإِنْفَاقَ ، و نبحرُ فَنُخْرِجُ الْأَصْدَافَ فِي الأعْمَاقِ ، نَعَم نتحرك فَنَدْخُل البسمة فِي النُّفُوسِ ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ ، فنغيثُ الْمَلْهُوفَ ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ فنكسِي الْعَارِي الْمُعْدِمَ .

          نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ و نَحْن نُمْسِكُ الْقَلَمَ و الْمَحْبَرَةَ و الْمُصْحَفَ فنتلُو و نتدبرُ ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ و نَحْن نرصُّ الصُّفُوف و نَجْمَعُ الْكَلِمَةِ ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ لَنُسْمِعَ كَلِمَةَ الْخَلَاصِ لِكُلّ تَائِهٍ شَارِدٍ ، يَبْحَثُ عَنْ الهداية. 

نَمْشِي و نَحْن نَجِيبُ دَاعِيَ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ ، فنسمعَ نِدَاءَه الْعُلْوِيَّ ، يَهُزّ كيانَنا ، فَيَبْعَث فِينَا الْحَرَكَةَ و النَّشَاطَ . 

        يَكْفِي أَنْ نأملَ الْآيَاتِ فِي قُرْآنِنَا ، فَنَرَى عَجَائِبَ الْأَسْرَارِ الَّتِي يُوقِظُه  فِينَا الْحَاسَّةَ الْمُوَلِّدَةُ لِلْحَرَكَةِ ، فَمَا أعَظْمَ آيَاتِ اللَّهِ . 

فَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ - - آيَة 11 آيَة عَجِيبَةٌ تَقْرَأْهَا و تَقْرَأْهَا ، فتدعوكَ لِقِرَاءَتِهَا مَرَّاتٍ و مَرَّاتٍ ، فَهِي تَدْعُونَا لَنَسِير فِي الْمَعْمُورَةِ لَنَرَى عَاقِبَةَ الطُّغَاةِ و الظَّلَمَةِ و الْمُفْسِدِينَ ، نَسِير لَنَرَى نِهَايَةٌ عَاقِبَتَهُم 

( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين) 

          ثُمّ نَسِيرُ فِي رِحَابِ الْكَوْنِ نجدُ آيَاتَه تُخَاطَبُ فطرتنا الَّتِي تَنْطِق بِالْإِيمَان و التَّوْحِيدِ ، فَشَجَرُةُ الْإِيمَانِ نبثَتْ بذرتُها فِي كُلِّ قَلْبٍ ، يَكْفِي الْمَرْءَ أَنْ يَسِيرَ لِيَرَى عَجَائِبَ صَنَعِ اللّهِ فِي النَّفْسِ و الْكَوْن . 

فَفِي سُورَة الْعَنْكَبُوت - - آيَة 20 تُخَاطَبُ الْإِنْسَانَ الْمُلْحِدَ النّاكرَ لِوُجُود اللَّه تَتَالَى ، كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَسِيرَ و يَتَحَرَّكن فَيَرَى أَسْرَارَ الْخَلْقِ فِي نَفْسِهِ وَ فِي مُحِيطِهِ . 

( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلَقُ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إنْ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير) عَلَى الْإِنْسَانِ إلَّا يَتَوَقَّفُ عَنِ الْحَرَكَةِ و السِّيَرَ وَ النَّظَر و الْبَحْث فَالْمَثَلُ يَقُولُ ( فِي كُلِّ حَرَكَةٍ بَرَكَةٍ ) . 

         تنبعث أثار السنة النبوية فرأيت العجب ، وجدت من الإشارات الدلالات التي تحث المسلم على الانطلاق و السير الموجب في رحاب الكون ، تدعو خان يحمل الحبل و الفأس في بكزة  الصباح يطلب الرزق بجمع الحطب ، فيكتسب الرزق بالعرق و الكد و الاجتهاد ، بذل مد اليد للغير ، يذل نفسه بطلب فتات الصدقة ، فالإسلام يربي أتباعه على عزة النفس ، فاليد التي تكسب رزقها من تعبها خير من اليد المنكسرة الضعيفة .

   وعَنْ أَبي عبدِاللَّه الزُّبَيْرِ بنِ العوَّامِ  قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُم أَحبُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ الجَبَلَ، فَيَأْتِي بحُزْمَةٍ مِن حَطَبٍ عَلى ظَهْرِهِ فَيَبيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّه بِهَا وَجْهَهُ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَن يَسأَلَ النَّاسَ: أَعْطَوْهُ، أَوْ مَنَعُوهُ رواه البخاري.

         أي جمال تصويري حين يضرب لنا رسول الله  صلى الله عليه  و سلم  المثل  و الأمثال و القصص أسلوب تربوي راقي ، فيرسم لنا صورة العطاء في مخلوق صغيرة ، يريدنا أن نتعلم منه النشاط و الجدية ، يرسم لنا صورة  الاعتماد على النفس في كسب القوت  ، فنستحضر قوة الإرادة الدافعة ، فنختار أنسب أوقات  النشاط  ، فيكون طلوع الفجر أنسب الأزمنة لشد حزام الجد  ، حق للأسنان أن يتعلم  و يتدرب  من صغار الطير و الحيوان أنسب الأساليب لتحصيل الرزق ، فعالم الحيوان مدرسة مغفول عنها  ، ففي عالمها دروس مفيدة  .

حديث عمر  قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً[1]، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

 

الْأُسْتَاذ حشاني زغيدي .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحليل قصة" بيت سيء السمعة" بقلم أ/ علي البدر

جواب مسؤول .. بقلم أ/ زين المصطفى بلمختار

أنا العربي ..لاتغضب .. بقلم أ/ أمين الحنشلي